ولأهمية النظم؛ جُعل من مراتب الشعر العالية ـ كما يقول (أبو هلال العسكري) متحدثاً عن الشعر: "فمن مراتبه العالية التي لا يلحقه فيها شيء من الكلام: النظم الذي به زنة الألفاظ، تمام حسنها "([10]).
وانطلاقاً من أهمية النظم، كانت أهمية الوزن والقافية، التي اتضحت من خلال التعريفات السابقة.
فالوزن "أعظم أركان الشعر، وأولاها به خصوصية، وهو مشتمل على القافية وجالب لها ضرورة "([11]). وهذا ما دعا علماء العربية إلى الاهتمام بعلم العروض والقافية، والتأليف فيه، والإسهاب في توضيح البحور، وعيوب الأوزان والقافية؛ حرصاً على سلامة البنية الموسيقية الأساسية في الشعر.
ونواصل المسيرة مع التعريفات، لنلحظ إضافة جديدة عند (الفيومي)، تثبت لنا أهلية النقد في كتب التراث، ونظرته العميقة للشعر المبتعد عن السطحية. فمن حدود الشعر: "التركّب المتعاضد"، والتركب المهلهل الضعيف للقصيدة يخرجها عن الشعر ـ في رأيه ـ وكون التركب متعاضداً يعني أن كل أجزائها ببعض. ولا شك أن هذه إشارة، أو خطوة نحو إدراك الوحدة العضوية في المنظور العربي القديم للشعر.
ومما تكرر في التعريفات السابقة الاعتراف بجانب الفطنة والمعرفة عند الشاعر، مما يميزه عن غيره. فقولهم: (كل علم شعر) إضافة جميلة، تدل على الدقة اللغوية[12]. فكل لون معرفي إنما هو شعر؛ لأن أداته وبابه الشعور والعلم([13]). ولكن قطبي منظوم القول (الوزن والقافية) أثقلنا كفته، فغلبت كلمة (شعر) عليه، وزادته شرفاً.
وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن الشاعر يتميز بأنه (يشعر ما لا يشعر غيره)، وهذه السمة المتفردة رسخت في نفس كل مطَّلع على الشعر، متذوق له، منذ أقدم عصوره حتى عصرنا هذا. فكثيراً ما تعترينا مشاعر نفسية غريبة تجاه مواقف معينة، قد لا نستطيع أن نجد لها تفسيراً أو تحليلاً، ونفاجأ بقصيدة تحمل نفس المشاعر، وقد اتخذ لها الشاعر مساراً في التحليل والتعليل، يدفعنا لأن نهتف في أنفسنا: نعم هذا ما كنا نحس به بالفعل، وهذه التفسيرات هي ما تقنعنا حقاً.
ومثال آخر: كثير من مظاهر الطبيعة قد لا تثير فينا أي اهتمام، ولكن قد نتأمل قصيدة في وصفها تجعلنا نبدو أكثر اهتماماً، وتعود هذه المناظر من جديد، لتهز فينا أسمى المشاعر.
وأمرٌ آخر يدل على الفطنة الشاعرية: ألوان المجاز المختلفة، فحين يحسن الشاعر المبدع استخدامها، نحس باقتراب العلاقات بين أمور كنا نظنها متباعدة، ولكنها الفطنة ودقة العلم.
يقول (ابن رشيق): "وإنما سمي الشاعر شاعراً؛ لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر، كان اسم الشاعر عليه مجازاً لا حقيقة، ولم يكن له إلا فضل الوزن، وليس بفضل عندي مع التقصير"([14]).
وهذا الإدراك الدقيق لهذه السمة في الشاعر أدى إلى اشتراط (الفيومي) لحد (القصد والنية) في الشعر. إذاً فالشاعر لا ينطق إلا متعمداً قاصداً؛ فهو يشعر أولاً ثم يقول الشعر. وما جاء – كما يقول (الفيومي) متزناً في القرآن أو السنة أو كلام الناس لا يعد شعراً، ولا يعد قائله شاعراً ([15]).
وهكذا تبين لنا الإطار العام في تحديد الشعر في كتب التراث اللغوي، التي اهتمت بالوزن والقافية، إضافة إلى تماسك أجزاء القصيدة، كما وجدنا التفاتةً دقيقة إلى جانب الفطنة والعلم ودقة المعرفة عند الشاعر.